أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

297

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السادس : أن تكون « ما » نافية أي : فما يؤمنون قليلا ولا كثيرا ، ومثله : قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ « 1 » ، « قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ » « 2 » ، وهذا قوي من جهة المعنى ، وإنما يضعف شيئا من جهة تقدّم ما في حيّزها عليها ، قاله أبو البقاء ، وإليه ذهب ابن الأنباري ، إلا أنّ تقديم ما في حيزها عليها لم يجزه البصريون ، وأجازه الكوفيون . قال أبو البقاء : « ولا يجوز أن تكون « ما » مصدرية ، لأن « قليلا » يبقى بلا ناصب » . يعني أنّك إذا جعلتها مصدرية كان ما بعدها صلتها ، ويكون المصدر مرفوعا ب « قليلا » على أنه فاعل به فأين الناصب له ؟ وهذا بخلاف قوله « كانوا قليلا من الليل ما يهجعون » فإنّ « ما » هناك يجوز أن تكون مصدرية لأنّ « قليلا » منصوب ب كان . وقال الزمخشري : « ويجوز أن تكون القلّة بمعنى العدم » . قال الشيخ « 3 » : « وما ذهب إليه من أنّ « قليلا » يراد به النفي فصحيح ، لكن في غير هذا التركيب » ، أعني قوله تعالى : « فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ » لأنّ « قليلا » انتصب بالفعل المثبت فصار نظير « قمت قليلا » أي : قمت قياما قليلا ، ولا يذهب ذاهب إلى أنّك إذا أتيت بفعل مثبت وجعلت « قليلا » منصوبا نعتا لمصدر ذلك الفعل يكون المعنى في المثبت الواقع على صفة أو هيئة انتفاء ذلك المثبت رأسا وعدم وقوعه بالكلّية ، وإنما الذي نقل النحويون : أنّه قد يراد بالقلة النفي المحض في قولهم : « أقلّ رجل يقول ذلك ، وقلّما يقوم زيد » ، وإذا تقرّر هذا فحمل القلة على النفي المحض هنا ليس بصحيح » انتهى . قلت : ما قاله أبو القاسم الزمخشري - رحمه اللّه - من أنّ معنى التقليل هنا النفي قد قال به الواحديّ قبله ، فإنه قال : « أي : لا قليلا ولا كثيرا ، كما تقول : قلّما يفعل كذا ، أي : ما يفعله أصلا » . قوله تعالى : مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . . فيه وجهان : أحدهما : أنّه في محلّ رفع صفة لكتاب ، فيتعلّق بمحذوف ، أي كتاب كائن من عند اللّه . والثاني : أن يكون في محلّ نصب لابتداء غاية المجيء قاله أبو البقاء . وقد ردّ الشيخ هذا الوجه فقال « 4 » : « لا يقال إنه يحتمل أن يكون « من عند اللّه » متعلقا بجاءهم ، فلا يكون صفة ، للفصل بين الصفة والموصوف بما هو معمول لغير أحدهما » يعني أنه ليس معمولا للموصوف ولا للصفة فلا يغتفر الفصل به بينهما . والجمهور على رفع « مصدّق » على أنه صفة ثانية ، وعلى هذا يقال : قد وجد صفتان إحداهما صريحة والأخرى مؤولة ، وقد قدّمت المؤولة ، وقد تقدّم أنّ ذلك غير ممتنع وإن زعم بعضهم أنه لا يجوز إلا ضرورة . والذي حسّن تقديم غير الصريحة أنّ الوصف بكينونته من عند اللّه آكد ، وأنّ وصفه بالتصديق ناشئ عن كونه من عند اللّه . وقرأ ابن أبي عبلة « مصدّقا » نصبا ، وكذلك هو في مصحف أبيّ ، ونصبه على الحال ، وفي صاحبها قولان : أحدهما أنه « كتاب » . فإن قيل : كيف جاءت الحال من النكرة ؟ فالجواب أنها قد قربت من المعرفة لتخصيصها بالصفة وهي « من عند اللّه » كما تقدّم . على أنّ سيبويه أجاز مجيئها منها بلا شرط ، وإلى هذا الوجه أشار الزمخشري . والثاني : أنه الضمير الذي تحمّله الجارّ والمجرور لوقوعه صفة ، والعامل فيها إمّا : الظرف أو ما يتعلّق به على الخلاف المشهور ، ولهذا اعترض بعضهم على سيبويه في قوله :

--> ( 1 ) سورة الأعراف ، آية ( 3 ) . ( 2 ) سورة الأعراف ، آية ( 10 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 303 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 303 ) .